انطلق القطار متأخرًا أربعين دقيقة ولم يتذمّر أحد. ثمّة سكينة خاصة تحلّ على العربة حين يتقبّل الجميع أن الرحلة ستستغرق ما تستغرقه.
كانت أمامي سبع ساعات، ومقعد بجوار النافذة، ولا سبب للعجلة. خطّطت لأن أقرأ، لكنني بدلًا من ذلك تأمّلت، وكتبت، ثم تأمّلت من جديد.
المشهد كفيلم بطيء
في الخارج كانت الحقول تغيّر لونها كل ساعة: أخضر شاحب في الصباح، وذهبي عند الظهيرة، وأزرق داكن حين نزلنا من التلال. مرّت محطات صغيرة بأسماء لن أراها مجددًا، وامرأة تسقي أصص الجيرانيوم على رصيف لا يبدو أن قطارًا يتوقف عنده.
السفر البطيء ليس طريقة للوصول إلى مكان، بل طريقة للبقاء فيه أطول.
ما الذي كتبته
كتبتُ في ذلك العصر وحده أكثر مما كتبت طوال الشهر الذي سبقه. لا لأن القطار مُلهم، بل لأنه أزال كل البدائل: لا شيء أتفقّده، ولا مكان أذهب إليه، ولا أحد ينتظر ردًّا.
- ست صفحات من الملاحظات عن الناس من حولي.
- افتتاحية مقال كنت أتهرّب منه منذ أسابيع.
- قائمة بأشياء أريد أن أفعلها ببطء أكبر.
ركّاب العربة الرابعة
معلّمة متقاعدة تصحّح أوراقًا متخيّلة في رأسها وتنقر بقلمها على النافذة. طالبان يتجادلان بلطف حول فيلم. رجل ببدلة رسمية نام قبل المحطة الأولى واستيقظ بعد ثلاث ساعات، مرتبكًا وسعيدًا. وطفل عدّ الأبقار ساعة كاملة، ثم أعلن المجموع للعربة كلها بجدية بالغة.
في قطار سريع، كان هؤلاء سيكونون عوائق بيني وبين مقعدي. أما في القطار البطيء فقد صاروا هم الحكاية. البطء يفعل ذلك: يحوّل الغرباء إلى شخصيات، والرحلة إلى مكان تسكنه لبعض الوقت.
حين وصل القطار أخيرًا، كدت أشعر بخيبة. في المرة القادمة سأختار القطار البطيء عن قصد.




اترك تعليقاً