القيمة الهادئة للملل

ماذا يحدث حين نتوقّف عن ملء كل دقيقة فارغة.

صرنا بارعين جدًا في ألّا نشعر بالملل أبدًا. طابور، مصعد، إشارة حمراء — كل فجوة تُملأ قبل أن تنفتح.

لاحظت ذلك في نفسي أولًا: تلك الحركة التلقائية نحو الهاتف لحظة لا يحدث شيء. لم تكن قرارًا، بل رعشة.

من أين تأتي الأفكار

معظم أفكاري الأفضل جاءت في لحظات كنت أعدّها مهدورة: انتظار غليان الماء، المشي بلا سمّاعات، التحديق من نافذة حافلة. الملل ليس فراغًا، بل هو العقل وقد جاء دوره أخيرًا ليتكلم.

الملل هو الباب، والانتباه هو من يعبره.

تجربة صغيرة

  • اترك فجوة واحدة فارغة كل يوم — طابورًا، أو مشوارًا، أو انتظارًا.
  • لا تملأها بموسيقى أو أخبار أو رسائل.
  • لاحظ ما الذي يأتي بدلًا منها.

الملل والإبداع

طالما اشتبه الباحثون فيما يعرفه الكتّاب: العقل الشارد يصنع روابط غير متوقعة. حين لا يطلب منّا شيء في الخارج انتباهنا، يبدأ الدماغ بإعادة ترتيب ما في داخله. تحتكّ الذكريات بالمشكلات، ويجيب حديث قديم عن سؤال جديد.

في كل مرة نملأ فيها فجوة بتمرير الشاشة، نقاطع تلك العملية قبل أن تبدأ. نستبدل تفكيرًا بطيئًا عميقًا بإثارة سريعة سطحية. المقايضة ممتعة في اللحظة، ونسدّد ثمنها لاحقًا، في أفكار لم تجد مساحة لتصل.

فاسمح لنفسك بالملل عن قصد. ليس وقتًا ضائعًا، بل هو التربة.

الأيام الأولى مزعجة، ثم يتغيّر شيء ما. تبدأ الفجوات بالظهور كغرف لا كثقوب، وتصبح تنتظرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المزيد من التدوينات

  • خمسة كتب وثقت بالقارئ

    خمسة كتب وثقت بالقارئ

    كل كتاب أحببته هذا العام كان يشترك مع غيره في أمر واحد: أنه وثق بالقارئ. لم يشرح نكاته، ولم يضع خطًّا تحت أفكاره، ولم يخبرني بما يجب أن أشعر. ترك مساحة، فملأتها…

  • ملاحظات من قطار بطيء

    ملاحظات من قطار بطيء

    انطلق القطار متأخرًا أربعين دقيقة ولم يتذمّر أحد. ثمّة سكينة خاصة تحلّ على العربة حين يتقبّل الجميع أن الرحلة ستستغرق ما تستغرقه. كانت أمامي سبع ساعات، ومقعد بجوار النافذة، ولا سبب للعجلة.…

  • خمس جمل دوّنتها هذا الشهر

    خمس جمل دوّنتها هذا الشهر

    ليست اقتباسات من مشاهير، بل جمل سمعتها أو قرأتها أو كتبتها، ولم أرد أن أفقدها. لماذا أحتفظ بها الجملة الجيدة أداة. أعود إلى هذه الجمل حين أعلق، أو أستعجل، أو أتكلم أكثر…